العاصمة عدن” مكتب الإعلام” خاص:
لم تعد ملفات الاقتصاد والعملة في عدن مجرد أرقام جافة تعرض على شاشات الصرافة أو نشرات الأخبار المسائية، بل تحولت اليوم إلى ساحة لمعركة بقاء حقيقية يخوضها المواطن العدني يومياً وسط صعوبات معيشية طاحنة.
وقد تصاعدت وتيرة الغضب الشعبي في الأيام الأخيرة، ليعلو صوت الشارع بمطلبين جوهريين لا ثالث لهما لإنقاذ ما يمكن إنقاذه: إما رفع الرواتب لتتوافق مع جنون الأسعار المستفحل، أو تحقيق هبوط حقيقي وفعلي في أسعار الصرف يلمسه المواطن في جيبه وسلة مشترياته، بعيداً عن الهبوطات “الوهمية” التي لا تجدي نفعاً في واقع السوق.
لغة الأرقام الصادمة.. راتب يتبخر
في قراءة سريعة لتراجع القوة الشرائية، تكشف “لغة الأرقام” عن كارثة حقيقية دفعت بالطبقة المتوسطة والكادحة إلى حافة الهاوية. لا يزال راتب المعلم، وهو العمود الفقري للمجتمع، يتراوح بين 70 إلى 80 ألف ريال يمني.
هذا المبلغ الذي كان يوماً ما كافياً لسد احتياجات البيوت وستر الأسر، أصبح اليوم لا يكفي لتوفير “مقدود” غداء أسرية واحدة أو ملء تنزيلة بترول لمدة يومين فقط، مما يعني أن القيمة الحقيقية للعملة قد تآكلت بشكل غير مسبوق.
ومن زاوية أخرى، يظهر حجم الكارثة عند مقارنة سعر الصرف بالريال السعودي. ففي الفترة الماضية، عندما كان سعر الصرف 700 ريال، كانت الـ 100 ريال سعودي تعادل 70 ألف ريال يمني، أي أنها كانت تغطي راتب معلم بالكامل وتترك فائضاً “تجيب وتودي”.
أما اليوم، ومع عمليات التلاعب المستمر في السوق، فإن الـ 100 ريال سعودي بالكاد تصل إلى 50-52 ألف ريال، والأنكى من ذلك أن أسعار المواد الغذائية في السوبر ماركت ما زالت محلقة في سماء الأسعار التي كانت محسوبة على أسعار صرف وصلت إلى 2000 ريال، رغم تراجع السعر الرسمي، مما يخلق فجوة كبيرة بين السعر الصرفي وسعر السلعة.
واقع “المشوار” المرير
وفي استطلاع لآراء المواطنين، أكدوا لـ “المشهد اليمني” أن تكاليف الحياة البسيطة أصبحت بمثابة “كابوس”. فإذا فكرت اليوم أن “تتغدى برع” مع عائلتك وتخرج في تمشية مسائية (فسحة) تقليدية، ثم تعبئ بترول لسيارتك، فأنت بحاجة ماسة لما لا يقل عن 100 ريال سعودي كحد أدنى في اليوم الواحد. الصادم في الأمر أن هذه المبلغ البسيط جداً، الذي يصرف في “فسحة” يوم واحد، يعادل بالتمام والكمال راتب موظف قضى ما يربو على 20 عاماً في السلك الحكومي، وهو دليل قاطع على انهيار الأجور وغياب العدالة الاجتماعية.
وحمل المواطنون رسالة واضحة وصريحة للحكومة والمسؤولين: الهبوط الذي يتحدثون عنه في سعر الصرف يظل هبوطاً “وهمياً” ومجرد أرقام على الورق، ما لم ترافقه رقابة صارمة فورية تنزل إلى المحلات التجارية وتجبر التجار على خفض الأسعار فعلياً وتوافقياً مع هبوط العملة. فالمواطن -كما يقولون- لا يأكل “نشرات الصرف” ولا المستجدات الرقمية، بل يأكل السلع الأساسية التي ما زالت تباع في الأسواق بأسعار الصرف المرتفعة والقديمة، في استمرار لعملية “نصب” منظمة بحق جيوب المواطنين.